شباب مصر والمجهول
تعيش مصر التجربة العراقية بشكل مختلف يتفادي تداعياتها السلبية، فالغزو
الأمريكي للعراق تم في اطار مفهوم الفوضى الخلاقة، الذي استهدف تدمير المؤسسات
القائمة، وصياغة أخرى جديدة، تساهم في تبديد سيطرة الثقافة القائمة على الأستبداد.
وعندما انحاز أوباما لرحيل مبارك، محتفظا بدور الجيش المصري كضامن لمسيرة
السلام العربي الأسرائيلي، تاركا الساحة للأخوان المسلمين، ، كان نفس الهدف قائما،
يرتكز على اعادة صياغة المؤسسات القائمة، بعيدا عن ثقافة الأقلية التي تراكمت على
مدار عقود حكم نظام 1952.
واليوم تعود مصر مرة أخرى إلى ماكان عليه الحال، قبل أحداث يناير 2011،
ويبدو ذلك واضحا فيما يتردد حول انتخاب وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي، في ظل تحالف
رجال الأعمال وفلول فساد حقبة مبارك، وفي ظل تهليل اعلام اصحاب المصالح الذين
ارتعبوا من احتمالات صياغة مؤسسات المجتمع المصري في ظل الحكم الأخواني.
والحقيقة أن جماعة الأخوان فشلت في فهم الفرصة التاريخية التي اتيحت لها،
اما بسبب الغباء السياسي، والفهم الخاطيء لحركة التاريخ، أو لنقص الخبرة؛ لكن هذا
الفشل، يجب ألايعني عودة الحال لما كان عليه في السابق، فحالة السيولة في المجتمع
المصري، لم تنتهي، ولن تنتهي بتكثيف عمليات القمع ضد الشباب الثائر الذي أسقط
نظامين خلال ثلاث سنوات بمساعدة قادة المؤسسة العسكرية، وتفهمهم لأهمية حماية
أركان الدولة المصرية وقوائمها، والأبقاء على الجيش المصري، كملجأ للمصريين
يتفادوا من خلاله فشل الدولة وانهيارها؛ والسيسي ليس إلا أحد قادة الجيش في مرحلة
معينة وليس هو الوحيد بها، أو المعبر الفرد عن مصالحها، فهناك العديد من هؤلاء
القادة الذين يدركون المخاطر التي تحيط بأنتخاب السيسي رئيسا في حالة فشله،
وانقلاب الشارع عليه ، خاصة
الشباب الذي ابتعد عن استفتاء النظام الجديد، كما يدركون أهمية الابتعاد عن حالة
السيولة القائمة، ومقاومة الأغراءات الرامية لأعادتهم مرة أخرى للحكم سواء من
الخارج أو الداخل، للصعوبات المتوقعة لأدارة أزمات المجتمع المتفاقمة، واعادة
اللحمة الوطنية وضمد الجراح، والألتفات للمستقبل، بدلا من مطاردة البعض للبعض
الآخر.
أن مصالح البعض في الخليج للأستقواء بالثقل السني المصري في مواجهة ايران
الشيعية، يجب ألا يكون على حساب تطور الشعب المصري نحو غد أفضل، يعجز هؤلاء عن دفع
تكاليفه، ليس لقلة فهم، وانما لأن ثمن ذلك الغد باهظ لن يقدر على دفعه إلا
المصريين أنفسهم لتوفير عالم أكثر أمانا لأبنائهم.
